مناقشة حول فصل (الإنسان القديم)

علم النفس التحليلي - كارل يونج

 

ممدوح : حدد ( يونج ) أن العالم النفسي للإنسان هو ما يشكل نمط الحياة بشكل عام وأن الإنسان البدائي هو الذي يمتلك بالضرورة تلك السياقات النفسية القديمة أما إنسان اليوم فهو لا يمارس الارتدادات بل أنه لا يزل إنسانا قديما في الطبقات السفلى من كيانه النفسي .. صراحة لا أستطيع أن أحدد في حالة اتفاقي مع ( يونج) فيما يتعلق بالسياقات النفسية القديمة .. لا أستطيع أن أحدد كيف تمت إزاحة تلك السياقات النفسية إلى الطبقات السفلى لإنسان اليوم ؟ .. وماهو صاحب القدرة التي أنشأت ذلك الأمر ؟ .. أين تكمن تلك الفجوة الزمنية والشعورية والمعرفية بين الإنسان البدائي وإنسان اليوم ؟ .. تلك الفجوة التي تمت أثناءها عملية إزاحة السياقات النفسية القديمة إلى الطبقات السفلى عند إنسان اليوم ؟ .. ولماذا حدثت أصلا ؟ .. وكيف امتلك الإنسان البدائي تلك السياقات التي نتحدث عنها ؟ .. وإذا كان إنسان اليوم يعد إنسانا بدائيا بمنظور ما هل هناك وعي بذلك لدى إنسان اليوم ؟ .. وكيف يمكن لتلك السياقات النفسية أن تبدي حضورها الآن ؟ .. وهل هناك علاقة بين ما ينتج عن هذا الحضور وبين طقوس الإنسان القديم ؟ .

 

محمود : بداية أقر بأن مناقشة آراء ( يونج ) حول الإنسان البدائي أمر مربك ولعل ذلك يعود لأن أفكاره متعارضة مع بعضها في كثير من الأحيان ولديه رغبة ملحة للانتصار لأمر مسبق لديه .. سبق وأشار أنه عندما نتكلم على الإنسان بصفة عامة وأؤكد ( بصفة عامة ) لا نأخذ في اعتبارنا جانبه التشريحي بل عالمه النفسي ودرجة وعيه ونمط حياته وتأكيده على أن كل إنسان متمدن مهما بلغت درجة نمو وعيه لم يزل إنسانا قديما في الطبقات السفلى من كيانه النفسي في حين يؤكد أيضا على أن النشاط العقلي المركز ضئيل عند البدائي ولا يهتم أو يركز إلا على الأشياء التي تهمه وبالتبعية نفهم على أن النشاط العقلي المركز موجود لدى الإنسان المعاصر .وسرد أيضا أنه لايوجد شيء يدل على أن الإنسان البدائي يفكر أو يشعر أو يدرك بطريقة تختلف أساسا عن طريقتنا في التفكير أو الشعور أو الإدراك ..  فأداؤه النفسي هو جوهريا نفس أداءنا ولا يختلف عنا إلا في مسلماته الأولية ..لا أفهم     ـ ومعذرة إذا قفزت إلى نهاية فصله والذي كونت انطباعا فيه على أن ( يونج ) ينتصر للإنسان البدائي ـ في حين أنه يؤكد على أن كلاهما ( البدائي والمعاصر ) يشتركان في وجود السياقات النفسية القديمة ولكن الفرق هو اختلاف المسلمات الأولية وبالتالي لا يوجد مبرر لدى ( يونج ) على أفضلية أو تميز الإنسان البدائي عن إنسان اليوم وكون الأخير مرتد إلى ما هو مفترض أن يكون طبيعيا وهو السياقات النفسية القديمة الكامنة في اللاشعور على الرغم من أن ( يونج ) يتعارض مع نفسه في ذلك حين أكد أيضا على أن المسلمات الأولية لدى البدائي والمعاصر مختلفة فكيف تكون هناك عملية إزاحة لأنه لو كانت المسلمات الأولية عند البدائي مختلفة لكانت انتهت ولم يعد لها رجعة عند الإنسان المتمدن أما لو كانت المسلمات متطابقة لصحت عملية إزاحة السياقات النفسية القديمة إلى الطبقات السفلى من الكيان النفسي لدى المتمدن .. والغريب أن ( يونج ) وهو يتناول الإنسان بشكل عام لم يتعرض في أفكاره إلى إشكاليات الوجود مثل نشأة العالم وكيفية الخلق وحكمة الخلق ..... إلخ سواء لدى البدائي أو المتمدن .

أرى أن انسحاب الأنساق والسياقات النفسية القديمة لدى الإنسان المتمدن (الكامنة) إلى الطبقات السفلى من كيانه النفسي والتي كانت وفقا لتصورات ( يونج ) وبتعبيري هي المرجعية الأساسية والوحيدة للإنسان البدائي في تفسيره للظواهر الطبيعية ومن المحتمل أيضا في تفسيره لإشكاليات الوجود الملحة على الإنسان بشكل عام أو محاولاته لإيجاد إجابات لها ـ تلك المساحة التي لم يتعرض لها (يونج) على الإطلاق وأنها لم تتخط تفسير ظواهر الطبيعة ـ وبالتالي وفي حدود تلك الممارسات العقلية ( أقل تركيزا لدى البدائي وأعلى لدى المتمدن ) نجد أنفسنا مجبرين على أن نجزم وفي حدود تلك المسألة على أن الإنسان المتمدن أكثر موضوعية ومنطقية وعلمية في تفسيره لظواهر الطبيعة بخلاف البدائي وتأكيدي على أن كلاهما في مواجهة إشكاليات الوجود لم يتوصلا لشيء .

أعتقد أن لدى ( يونج ) تناقضا واضحا حيث يؤكد على أن الإنسان المتمدن أكثر منطقية في رصده للأشياء ثم يعود ويؤكد على أن البدائي أكثر موضوعية في رصده للأشياء .. هنا أريد أن أتساءل هل هناك ـ في رأي ( يونج ) ـ تعارضا أو تناقضا بين الموضوعية والمنطقية ؟ .. حتى لو كان لا يفاضل بين أيا منهما فما هو الفاصل الحاد بين الموضوعية والمنطقية ؟! ، وهل ليس من الوارد أو المسموح به الجمع بينهما ؟‍‍ ‍‍‍‍‍‍

وإذا اعتبرنا أن التركيز الذهني والنشاط العقلي والتطور العلمي لدى المتمدن هو الذي يشكل المساحة الفارقة بين البدائي والمتمدن وأنها المميزة للأخير في نمط حياته وصيرورة حركته في عالم المادة فهي لا تتخطى أيضا ظواهر الطبيعة ..   ( الغرائبية بتعبيري " الموضوعية بتعبير يونج " لدى البدائي ، والتركيز العقلي ، والتطور العلمي " المنطقية بتعبير يونج لدى الإنسان المتمدن " كلاهما لم ينجحا إلا في حدود مواجهة ظواهر الطبيعة وترويضها ) فالإنسان عامة عدو لما لا يراه أو ما يجهله وبالتالي يجبر أو يدفع إلى مواجهة ما يراه " عالم المادة وظواهر الطبيعة ورغبته المحمومة لترويضها لعجزه عن مواجهة إشكاليات وجوده بغرائبية القديم أو منطقية المتمدن إضافه لخوفه الشديد من اقتحام تلك المساحة الملغزة " .

 

ممدوح : في اعتقادي أن ( يونج ) يسعى طوال الوقت لتمرير أن كلماته في الأساس عبارة عن تساؤلات بلا إجابة لكنه بكل تأكيد تورط في محاولات مستميتة للانتصار لآراء بعينها .. هذه الآراء لا تستطيع أن تخبئ ولائها للإنسان البدائي ولكن أتصور أنه من المفترض أن نناقش المسألة بلا انتصار لأفكار جاهزة سواء تخص الإنسان القديم أو المتمدن فأنا لا يمكنني أن أتأكد من كون البدائي يعيش في الفردوس المفقود الذي يفتقده الإنسان المعاصر والعكس صحيح وإنما القضية تتعلق من وجهة نظري بسمات الإنسان في المرحلتين ( إذا جاز لنا وضع ذلك الفاصل الحاد والجازم بينهما والذي أنظر إليه بقدر ما من التشكك ) .. نحن أمام أفكار شخص يرصد العالم منطلقا من زاوية معينة لا يمكن قبولها على الإطلاق أو رفضها على الإطلاق وإنما يمكن مناقشتها بنوع من السعي للفهم لمدى قدرة هذه الأفكار على جعلنا نتساءل أو نتأمل العالم بطريقة مختلفة عما تعودناه .

 

أحمد : هناك تساؤل : ما هو مدى تأثير الكتاب المقدس على فرضيات ( يونج ) ؟

إن الكتاب المقدس عموماً كان يمثل أحد أهم المؤثرات على أفكار المثقفين الأوربيين في تلك الفترة، ويبدو التشابه الرئيسي ما بين نصوص الكتاب المقدس وأفكار يونج في الخلط بين تعريفي (الروح) و(النفس)، وهي ذات الفكرة التي نراها في سفر التكوين ( .. ونفخ في أنفه نسمة حيوة . فصار آدم نفساً حية )( تكوين- ص2 - آي8)، لقد فُسرت عبارة (نسمة حيوة) بأن المقصود منها هو الروح، وبالتالي فقد اعتبرت التوراة أن الروح والنفس كلمتين لهما مدلول واحد، وهو نفس ما أشار له يونج عندما اعتبر أن النفس والروح والخافية كلمات لها نفس المدلول.

   هناك تأثر آخر بنصوص الكتاب المقدس لدى يونج حول وظيفة (النفس/ الروح) كما عرفها، إن الآية السابقة تشير إلى أن الإنسان لم يكن سوى جسد خاوي، ثم تلقى روحه من الرب، وقد اتفقت معها نصوص إنجيلية أخرى " لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس " إن هذه الروح ليست عنصراً نورانياً فقط حسب تعريف الكتاب المقدس ويونج، وإنما تشمل أيضاً النفس والتي تشير إلى ذات الإنسان وخبراته، وقد اعتبر الكتاب المقدس بشقيه (العهد القديم والعهد الجديد) أن الروح كائناً مختلفاً ( منبثق من الآب ) يتواجد في الإنسان، وهنا يمكننا تلمس هذا التأثر بوضوح من تعبير يونج : " فإذا أسقطنا محتوى نفسياً هاماً على كائن بشري، فعندئذ يتحول إلى " مانا " فيتمتع عندئذ بقدرة إتيان الخوارق "، ويتسائل يونج بصيغة هي أقرب للإجابة " هل النفس عموماً وأعني بها الروح أو الخافية - منبعثة منا، أم أن النفس - وهي في أولى مراحل وعيها - كانت خارجة عنا فعلاً في شكل قوة استبدادية ذات مقاصد خاصة بها ؟ ويبدو واضحاً من تساؤل يونج تأثره بفكرة كون (النفس/الروح) كانت كائناً مستقلاً عن الإنسان في المراحل الأولى، ولم يشر كارل يونج طوال بحثه إلى مقصوده  من عبارة (المراحل الأولى)، كما لم يشر إلى من هو القادر على إسقاط هذا المحتوى النفسي، وبالتأكيد فإن ( يونج ) لم يتأثر بالكتاب المقدس تأثراً حرفياً إلا أنه تأثر بوضوح في أسلوب الأداء الوارد به.

   إن الإيمان بفكرة " الإسقاط " لدى يونج هي محاولة لتأكيد فكرة الانفصال " القدري " ما بين الإنسان البدائي والإنسان الحضاري، التي يحاول يونج طوال بحثه إثباتها على استحياء، وهي بدورها سعي لإثبات أنه لا يوجد وعي لدى الإنسان البدائي، فكل ما لديه ينتمي للخافية (الروح/النفس)، والواقع أن فكرة البدائية والحضارية ليست منفصلة بهذه الحدة، وسأتجاوز عن أن يونج عنْون بحثه بـ (الإنسان القديم) وهناك فارق بالطبع بين العبارتين، إن النماذج التي تناولها يونج كلها لبدائيين معاصرين له .. الأمر الذي يمنحنا تصورا  لمدى التداخل فيما بين الكلمتين (البدائية - التحضر)، فالإنسان البدائي .. هو بدائي مقارنة بكارل يونج .. إلا أنه بالتأكيد ليس كذلك بالنسبة لأجداده الذين قد يرونه أكثر حضارية .. كذلك الزمن الذي عاش فيه (يونج) وهو بالنسبة لنا يمثل قدرا ما من البدائية إذا ما قورن بإمكانياتنا الحالية.

   لقد أخطأ يونج عندما قام بهذا الفصل الحاد كما لو كان كل منهما كائنا مختلفا عن الآخر : " الإنسان البدائي ليس أكثر منطقاً أو أقل منطقاً والخلاف أن سوابق رأيه ليست كسوابق رأينا "، لقد أوقع هذا الفصل ما بين الكائنين يونج في تناقض صريح عندما اضطر للقول أن : " الإنسان المتمدن مهما بلغت درجة نمو وعيه لم يزل إنسانا قديما في الطبقات السفلى من كيانه النفسي " وبالتالي ففرضيات الإنسان البدائي لا تختلف عن فرضيات المتمدن وإنما فرضيات الأخير هي تطور لها، فالإنسان البدائي يمتلك وعياً بكل تأكيد لكنه ليس بنفس تطور وعينا، وقد أشار كارل يونج إلى هذه الحقيقة      - بدون قصد - عندما تحدث عن فشل ساحر إحدى القبائل في رؤية الأحلام منذ حلول البريطانيين بالمنطقة، فالسلطة هي المخولة بمعرفة الحقائق، وهو ما يشير بوضوح إلى وجود وعي لدى الإنسان البدائي حول وضع السلطة سواء من قبل زعيم القبيلة/الساحر أو السلطة البريطانية، إن أفكار الإنسان البدائي مرجعها الأول هو سلطة القبيلة الممثلة في الساحر - كما اعترف يونج - والتي تمنح أفراد القبيلة تفسيرات تخدم مصالحها وترسخ من سلطاتها، وهذا التسلط - التقليدي - والذي مرت به كل الحضارات لا يتم إلا عبر تراكم معين في الوعي لدى الإنسان.

 

محمود : إن محاولات يونج الحثيثة والمحمومة لانتصاره ( ضمنا ) للبدائي في مواجهة الإنسان المتمدن توقع به في مأزق ( التناقض الشديد ) .. أعود وأكرر مقولته  " أن الإنسان البدائي لا يختلف عنا اختلافا أساسيا في نشاطه العقلي وما يفصله عنا هو فرضياته وحسب .. أعتقد أن المقصود من الفرضية هو الشئ القابل للرفض أو القبول  ( ما هو محتمل ) وأرى أن يونج يعمم رأيه بشكل مطلق دائما .. أعتقد أن ما هو         ( فرضية ) لدى البدائي والمتمدن على السواء يعتبر منطقيا وملائما لكليهما في حالة التعرض لما هو ميتافيزيقي من حيث عدم التوصل لتفسيرات كونية .. فتصدي البدائي لما هو مادي ( الظواهر الطبيعية ) وتفسيره لها يقوم بنفس الشكل والأداء حال تصديه لمحاولة إيجاد إجابات أو تفسيرات لما هو ميتافيزيقي لأن مرجعيته ( البدائي ) السحرية والغرائبية ـ والتي أسميها مجازا ( علم اللاعلم ) وهذا التعبير الأخير موازي لتأكيد يونج بأن الغرائبية هي مرجعية البدائي  ـ هي الوحيدة المتاحة له حال التعرض لما هو مادي أو ميتافيزيقي .. أما المتمدن وهو الذي يمتلك الواعية بتقسيم يونج الحاد فالمسألة أصبحت أكثر وعيا وتخصيصا ومنطقية حال تعرضه لما هو مادي لأنه يتعرض لظواهر الطبيعة بشكل علمي ومنهجي ويختار نوعا من العلم يناسب كل ظاهرة ويعتمد على قاعدة فلسفية متفق عليها وعلى قدرتها في تفسير الظواهر الطبيعية وهي العلة والمعلول . حتى وإن أخفق في تفسير ظاهرة طبيعية فذلك لا ينفي  وجود اختلاف جوهري بينه وبين البدائي في المناهج المستخدمة ناتجة عن التراكم المعرفي الذي شكلته تجارب البشر .

أشار يونج أيضا .. " إلى أن من يعهد إليه بمراقبة الأحداث يجب أن يكون ( أذكى ) رجال القبيلة البدائية و ( أدهاهم ) وأن يبلغ من العلم مبلغا يمكنه من تفسير جميع الحوادث الخارقة ويجعله قادرا على التصدي لها ... فهو ( العالم ) الاختصاصي الخبير بطوارئ الحظ والمصادفة " .. هنا أود أن أطرح عدة تساؤلات : كيف أصبح من يعهد إليه بمراقبة الأحداث ( أذكى ) ؟! .. وما المقصود بـ ( دهاءه ) ؟! .. وكيف يكون العالم الاختصاصي الخبير بطوارئ الحظ والمصادفة ـ لعل استخدامه لكلمة ( عالم ) هو ما دفعني لاستخدام مصطلح ( علم اللاعلم ) ـ ؟! .. وكيف يبلغ من العلم مبلغا يمكنه من تفسير جميع الحوادث الخارقة ؟! .. أي علم ؟! .. وهل هو علم متحصل ومكتسب أم ماذا ؟! .. وهل للقوى الاستبدادية والغيبية ـ على حسب تعبير يونج ـ دورا في انتقاء هذا الاختصاصي الخبير ؟! .. وعلى الرغم من تأكدي بأن يونج لم يقم بتعريف تلك القوى المستبدة مطلقا طوال حديثه تأكدت أيضا من أن هذا الساحر ( الاختصاصي الخبير ) ليس هو القوى الاستبدادية بل وسيط لتفعيل قوتها .. ومن الغريب أن يونج يؤكد على  وحسب مقولته " إن ايمان البدائي بالقوى الاستبدادية لا ينبعث من فقاعة هواء وإنما إيمانه بها يستند إلى خبرته .. " وهنا لي تساؤل أيضا .. أي خبرة ؟! .. والخبرة متعلقة بالوعي المنتفي لدى البدائي كما يرى يونج ؟! .. وهو يؤكد على أنه يمتلك الخافية       ( الروح / النفس ) لا الواعية ( الخبرة ) .. أي خبرة ؟! .. وهو لا يستند في معرفته أي البدائي بحوادث الأمور الطبيعية إلا للساحر الاختصاصي الخبير الملهم والمسدد والعبد المطيع للقوى الاستبدادية .. وهل انتقاء القوى الاستبدادية لشخص بعينه من القبيلة البدائية لتميزه في شيء ما ؟! .. ما هذا التميز الذي لم يشر إليه يونج ؟! .. وكيف يوجد ساحر قبيلة كما قال أكثر حنكة من آخر بحيث يخشاه أفراد قبيلة أخرى ؟! .. وهل هذا التميز ناتج عن رضا القوى الاستبدادية بساحر عمن سواه ؟! .. وهل هذا الرضا المتمثل في التميز لكون هذا الساحر أكثر إيمانا والتزاما بقوانين تلك القوى    الاستبدادية ؟! .

وهل هذا الالتزام يحقق له منفعة وقدرة مطلقة على السيطرة على أفراد قبيلته وبالتالي يمتلك سلطة مطلقة أعلى من زعيم القبيلة ؟! .. وهل من الممكن أن يكون زعيم القبيلة هو الساحر في نفس الوقت ؟! .. عن نفسي أعتقد بأن الساحر وزعيم القبيلة سواءا كانا شخصين مختلفين أو شخصا واحدا فأعتقد أنهما استفادا جيدا من القوى الاستبدادية .

 

ممدوح : سأتعامل مع حديث ( يونج ) على النحو التالي :

الإنسان خاوي .. هناك شيء أولي سابق ومستقل عنه ينسكب بشكل تدريجي داخله فيشكل النفس .. حسنا .. هل يمكن هنا أن أطلق على هذا الشيء اسم ( مستقبلات ) ؟ .. المستقبلات هنا يمكن بشكل بسيط تحديدها في كونها المسئولة عن أفكار ومشاعر الإنسان .. ما دورها ؟ .. تحديد قوانين ملزمة من تلك المشاعر والأفكار داخل الإنسان بما يلائم طبيعة تم تحديدها سلفا تناسب الطبيعة العامة للكون ؟! .. هذا يقودني بالضرورة نحو القوى الاستبدادية .. الاستبدادية هنا تعني السيطرة الكاملة والتحكم المطلق في كل شيء .. ما علاقتها بما أطلق عليه ( مستقبلات ) ؟ .. أعتقد أنها ـ أي المستقبلات ـ توفر الضمان الحتمي لآلية عمل ورغبات القوى أيا كانت .. من هنا أرى أن هذه المستقبلات تريد في النهاية أن يتعامل الإنسان مع معطيات العالم بشكل محدد لتنفيذ مهام محددة عن طريق تبني والعيش بأفكار ومشاعر مجهزة ومن أهمها الخضوع .. الخضوع لما هو غائب وغير مرئي والخوف منه وعدم ممارسة التجاوز بأية طريقة معه . وهذا الأمر هو ما شكل أفكار الاعتناق بالقوى الغيبية وعبادة الظواهر الطبيعية والله  مع الأخذ في الاعتبار مجرى تطور هذه الأفكار والمشاعر الخاصة بالاعتناق للغيبي .

 

أحمد : اعتقد أن كارل يونج لم يقصد بتصوره عن إسقاط المحتوى النفسي على الإنسان هذه المشاعر التي تشكل قاعدة مشتركة للعديد من الكائنات الحية ... إن هذا التصور ربما يكون أكثر عمقاً ويرتبط بأرق مختلف تماماً عما يناقشه يونج .

   إن الغرض الأساسي لكارل يونج هو تفسير الممارسات اليومية التي تنشأ كردود أفعال على ما يصادف الإنسان من مواقف .. وهي تختلف بالتأكيد بين الإنسان البدائي والإنسان المتحضر .. هذه الممارسات التي تمثل الخبرة الحياتية التراكمية لدى الإنسان يعتبرها يونج محتوى نفسي تم إسقاطه على الإنسان عبر قوى استبدادية .. والواقع أن كارل يونج لا يتكلف إخفاء تأثره الواضح بالكتاب المقدس والذي تأثر بدوره بالعقائد السامية القديمة .. فهذا الاختلاف الأصيل ما بين الإنسان البدائي والإنسان المتحضر يوازي بدرجة ملحوظة الخلاف الغير منتهي بين بني إسرائيل وغيرهم من شعوب الأمميين (الجوييم).

 

ممدوح :   أوافق يونج على اعتياد الناس على تداول مشاعرهم لتكون قانون ملزم للأخرين مما ينتج عن ذلك الصراع ولكن ماذا عن الإنسان البدائي ؟ .. هل حماه التوحد بين ذاته والطبيعة من تلك النقائص ؟. إذا كان يونج يقصد سلوك بدائي لم نعد نمارسه ماذا تعني الموضوعية أو التوحد بين الذات والموضوع في تلك اللحظة إذا كنا نحن نمارس الآن نفس الأمر بطريقة أخرى ؟ .

   بالنسبة للصلات بين الإنسان والأشياء الأخرى (الطبيعة) هذه الصلات لا نفهمها نحن (الإنسان الحاضر) وهذا هو المقصود على حسب يونج بالتوحد بين الذات والموضوع .. لن نسأل كيف تحدث هذه الصلة لأن يونج نفسه تحدث بضمير الجمع حينما قال (نحن) ونحن هذه يندرج فيها هو نفسه إذن السؤال المتاح هو لماذا تحدث هذه الصلة ؟ ومن هو الطرف المبادر بتكوينها ؟. كيف يمكنني أن أتعامل بيقين مع نظرية التوحد التي يمثلها روح المرأة التي ماتت في نفس اللحظة التي قتل فيها فهد ؟ .. ماذا يعني التوحد ؟ .. كيف يتم ؟ .. هذا ما لم يذكره يونج بل أنهى الموضوع ببساطة وقال نحن لا نعرف.

   ولا توجد نهاية للأسئلة التي لم يجب عليها يونج مثلاً : إذا كان الإنسان البدائي غير نفساني إذاً فما هو الشيء الذي يعمل عنده أو بداخله ويجعله يفسر الأشياء بمنطقه الذي تناوله يونج ؟ وإذا كانت الحوادث النفسية تحدث خارجاً عنه فما هي مصدرها وما الذي يتحكم فيها ؟ والأهم من كل هذا ما هي حكمتها ومبررها ؟ ثم كيف يتحد الذات والموضوع أصلاً عند الإنسان البدائي ؟ . هل يمكنني أن أتخذ أمثلة يونج مثل أن الله لم يعد يخاطب عراف القبيلة في الأحلام بل صار يخاطب البريطانيين أصحاب السلطة لأن البريطانيين هم رجال الله ؟ أو الاعتماد على ظهور أرواح في جلسة روحانية وظهور الأشباح لمعرفة ماذا يعني إسقاط محتوى نفسي هام على كائن بشري يتحول بدوره إلى (مانا) فتتأتى له القدرة على إتيان الخوارق فيأخذ لقب ساحر أو ساحرة ؟ وكيف تصبح الأحكام الأخلاقية لدينا زائفة مقارنة بأحكام الإنسان البدائي مع أننا نمتلك سياقات نفسية متشابهة ؟ أليست المحتويات النفسية لدينا مستمدة أصلاً من المحتوى القديم للإنسان البدائي على حسب يونج ؟!

   الفرضيات .. ماذا تعني ؟ .. من أين ؟ .. كيف ؟ .. أتحدث هنا عن الفرضيات المختلفة لدى الإنسان البدائي الذي يمتلك نفس نشاطنا العقلي .. كيف تتبدل وتتطور وتتغير. وإذا كان الإنسان البدائي يقول دائماً أمام الحوادث التي تحدث ( قُصد بحساب) فلماذا كانت تنتابه الدهشة إذن ؟ نحن الذين يجب أن ندهش بسبب اعتمادنا على السببية المليئة بالثغرات على حسب يونج .. هل لدى الإنسان البدائي إذاً إجابة على كل شيء تمنعه من أن يقول (هذا حظ ومصادفة) ؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لم تصلنا تلك الإجابات عن طريق سياق التطور النفسي (الإنسان المتمدن لم يزل بدائياً في الطبقات السفلى من كيانه النفسي).

 

محمود : أود أن ألخص موضوعية يونج  في مقولته عن زعيم القبيلة البدائية حينما سئل عن : ماذا يعني الخير والشر ؟ فأجاب : حينما تسبي قبيلة أخرى نساء من قبيلتي فهذا شر .. أما إذا سبينا نحن نساء تلك القبيلة فهذا خير .

وفي مجمل حديثه عن الإنسان البدائي وبعد أن يضع كل تصوراته حول تلك المنطقة الملغزة يضع عبارة  متواضعة جدا ( ونحن لا نعرف ) !!

 

* * *